العالم يتجه للزراعة ونحن نائمون: كيف تضيع مصر فرصة الاكتفاء الذاتي؟
نُشرت النواة الأولى لهذا المقال في أغسطس 2012، وما زالت صرخته تدوي حتى اليوم.
في الوقت الذي تدق فيه أجراس الإنذار العالمية محذرة من أزمات الغذاء، يتجه العالم بأسره نحو الزراعة وتطوير تقنياتها لضمان الاكتفاء الذاتي. لقد رأينا كيف أثرت موجات الجفاف القاسية التي ضربت دولاً كبرى مثل الولايات المتحدة على مستويات إنتاج الحبوب الاستراتيجية كالذرة وفول الصويا؛ وهي المحاصيل التي تمثل عصب صناعة الأعلاف والمصدر الأول للبروتين الحيواني للإنسان. وبينما تسابق الدول المتقدمة الزمن لابتكار حلول زراعية تتحدى غضب الطبيعة، نقف نحن في مصر موقف المتفرج، نائمين على كنوز لا حصر لها، نمتلك كل المقومات للوصول إلى الاكتفاء الذاتي، ولكننا نأبى أن نستيقظ!
المفارقة المصرية: نملك كل شيء وننتظر كل شيء!
إذا نظرنا إلى خريطة الموارد في مصر، سنجد أننا نمتلك مقومات تقيم دولاً من العدم، فنحن لا نعاني من جبال شرق آسيا الوعرة، ولا زلازلها المدمرة، ولا ثلوج روسيا القارسة، ولا حتى مناخ أمريكا الجنوبية الاستوائي القاسي. نحن نمتلك معادلة النجاح الكاملة:
- أراضٍ شاسعة بكر: نملك مساحات صحراوية ضخمة صالحة للزراعة، يقع الكثير منها على مقربة من التجمعات السكنية والمدن الجديدة، وتنتظر فقط من يروي ظمأها.
- مناخ عبقري: نتمتع بطقس متوازن، وشمس تشرق بمتوسط 8 ساعات يومياً، مما يسمح بزراعة الغالبية العظمى من المحاصيل، بما فيها الزراعات النادرة وذات العائد الاقتصادي المرتفع.
- طاقة بشرية هائلة: ملايين من الشباب الذين يمتلكون الصحة والطاقة، وينتظرون الفرصة الحقيقية للعمل والاجتهاد.
- بنية مؤسسية وعلمية: لدينا مراكز بحوث زراعية وهيئات متخصصة تضم عقولاً قادرة على تخطيط وتنظيم أضخم مشاريع الاستصلاح.
- رؤوس أموال معطلة: تتوفر الإمكانيات المادية، سواء من مدخرات الأفراد أو الاستثمارات، التي يمكن توجيهها لتنفيذ خطط تنموية زراعية تغطي احتياجاتنا.
أزمة العقول وثقافة "الاستثمار السهل"
إذا كانت الموارد متوفرة، فأين تكمن المشكلة؟ للأسف، المشكلة الحقيقية تقبع في "العقول". بداية من أصغر شاب أنهى دراسته، وصولاً إلى أكبر مسؤول في مقعده. لقد سيطرت علينا ثقافة "الأنا" والمصلحة الفردية الضيقة، وتناسينا أن الأمم العظيمة تُبنى عندما تؤسس الأجيال الحاضرة مشروعات تجني ثمارها الأجيال اللاحقة.
لقد تورمت أدمغتنا من ترديد شعار "مصر دولة مؤسسات". ولكن، أين أثر هذه المؤسسات على أرض الواقع؟ وأين دورها عندما يتخرج الشاب من الجامعة بعد رحلة طويلة من "الحشو التعليمي النظري"، ليجد نفسه بلا قيمة مضافة، مجبراً على التخلي عن طموحه وذكائه ليرضى بأي عمل هامشي يوفره له السوق العشوائي؟ في الدول المتقدمة، يحلم الشاب بترك بصمة في مجتمعه وتخليد اسمه في التاريخ، بينما أقصى طموح الشاب لدينا هو النجاة اليومية وتدبير نفقات الزواج.
تجربة واقعية: لماذا تفشل التكتلات الشبابية؟
من واقع خبرتي، حاولت مراراً طرح فكرة بسيطة وعملية: تجميع عدد من الشباب أو المستثمرين الصغار لإنشاء مجتمع زراعي متكامل في الصحراء القريبة من المدن. الهدف كان ضمان حياة كريمة ومحترمة للمشاركين وأبنائهم، وفي الوقت ذاته تخفيف العبء عن كاهل الدولة المثقل بالديون.
هل تعلمون لماذا لم تخرج هذه الفكرة للنور؟ لم يكن السبب تعنت أجهزة الدولة أو غياب التمويل، بل كان السبب هو المشتركون أنفسهم! لقد أصبح الجميع يبحث عن "الاستثمار السريع والسهل"، كشراء شقة وبيعها، أو المضاربة في التجارة، دون رغبة حقيقية في بذل الجهد، أو حتى التعرض لنور الشمس في الصباح من أجل بناء أصل إنتاجي حقيقي.
دليل قاطع على إمكانية الاكتفاء الذاتي
ألم يلاحظ أحد ما حدث في صيف عام 2012؟ في ذلك الموسم، توفرت تقريباً كافة المنتجات الزراعية والفاكهة بأسعار رخيصة جداً وفي متناول جميع فئات الشعب. السبب لم يكن معجزة، بل كان ببساطة "توقف التصدير" بسبب الظروف السياسية آنذاك.
هذا التوقف الإجباري أرغم المنتجين على طرح محاصيلهم في السوق المحلي، فامتلأت الأسواق بالخيرات بأسعار متوازنة. هذه الحادثة العابرة هي دليل مادي قاطع على أن أرضنا قادرة على إطعامنا، وأننا قادرون على الوصول إلى الاكتفاء الذاتي الكامل في الغذاء إذا ما تم توجيه البوصلة بشكل صحيح لدعم السوق الداخلي أولاً.
المفارقة المؤلمة: الغرباء يزرعون أرضنا ليطعموا بلادهم!
إليكم معلومة أخيرة يجب أن نتوقف أمامها طويلاً: هل تعلمون أن مصر تحقق اكتفاءً ذاتياً كاملاً من اللحوم البيضاء (الدواجن) بفضل كثرة المزارع والاستثمارات في هذا القطاع؟ ولكن المفارقة أن معظم الشركات الكبرى (خاصة الأجنبية والخليجية) التي تعمل في هذا المجال على أرضنا، تقوم بتصدير إنتاجها بالكامل إلى الخارج!
هم يستخدمون أراضينا، ومياهنا، وتسهيلاتنا، وعمالتنا الرخيصة، لصالح تأمين الغذاء لبلادهم. والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: لماذا لا نكون نحن أصحاب الأرض مكانهم؟ لماذا لا نستثمر نحن في زراعة أرضنا وإنتاج غذائنا، لنصدر نحن الفائض عن حاجتنا؟
إنها دعوة مفتوحة لكل مصري، باختلاف مستواه المادي والاجتماعي، للتفكير جدياً والتحرك نحو الاستثمار الحقيقي في زراعة أرض مصر. دعونا نوقف عجلة الاستثمار الزائف، ونبني مستقبلاً لا ننتظر فيه رغيف الخبز من وراء البحار.
شركة المكتب الاستشاري لتطوير الأعمال
نعمل على أرض الواقع في مصر والوطن العربي منذ عام 2008م وحتى الآن.
نفخر بتقديم أكثر من (449 دراسة جدوى مختلفة)، (181 خطة عمل متكاملة)، (137 تقريراً استشارياً)، و(229 دراسة لفكرة مشروع) في عدة دول تشمل: مصر، السعودية، سلطنة عمان، فلسطين، قطر، السودان، الجزائر، ليبيا، والكويت.
نموذج عمل تجاري (Business Model Canvas)
دراسة الجدوى (Feasibility Study)
خطة العمل (Business Plan)
خطة التنفيذ (Action Plan)
التحليل الرباعي (SWOT Analysis)
العنوان: 20 شارع الشهداء (ميدان مجلس المدينة)، شبين الكوم، المنوفية، مصر.
البريد الإلكتروني: greeneyesaqar@gmail.com
هاتف المكتب: 0482319433 (2+)
هاتف محمول: 01226016692 (2+)
واتساب: 01025351903 (2+)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
إعداد دراسات جدوى، تطوير الأعمال، خطط مشاريع، استشارات اقتصادية، واتس اب 00201025351903