حركة السيولة النقدية وتأثيرها المباشر على المشروعات الاستثمارية
السيولة النقدية هي الأكسجين الذي تتنفسه الأسواق؛ فبدون حركتها ودورانها المستمر، يصاب الاقتصاد بالركود والشلل. ومنذ أن أطلق الرئيس عبد الفتاح السيسي منظومة الإصلاح الاقتصادي في مصر، شهدت الساحة قرارات متلاحقة ومؤثرة جداً من البنك المركزي المصري؛ شملت تخفيض أسعار الفائدة على الإقراض والودائع، تلتها قرارات بتحديد سقوف المبالغ المسموح بإيداعها أو سحبها بشكل يومي للأفراد والشركات.
هذه القرارات لم تكن مجرد إجراءات روتينية، بل هي أدوات جراحية دقيقة تهدف للتحكم في حركة النقد السائل وتوجيهه من صناديق الادخار الراكدة إلى عروق الاستثمار والتشغيل.
فلسفة البنوك: الموازنة الصعبة بين النقد والتشغيل
إن أي بنك في العالم هو في جوهره شركة تستثمر في "النقود ذاتها"، والهدف الأساسي من إنشائه هو دعم وتنمية الاقتصاد عبر تمويل وتأسيس مشروعات إنتاجية (صناعية، عقارية، تجارية، زراعية) تملكها البنوك بشكل مباشر أو غير مباشر. ومن خلال الأرباح التشغيلية الفعلية لهذه المشروعات، يتم تحديد ونسب الفوائد السنوية أو الشهرية الموزعة على حسابات المودعين.
ولأن البنوك مؤسسات قومية كبرى، أو شركات عملاقة متعددة الجنسيات خاضعة لرقابة صارمة، فإنها لا تستطيع تقديم نسب فوائد مرتفعة إلا بالتزامن مع ثلاثة عوامل استراتيجية:
- معدلات ربحية المشروعات التي تمولها على أرض الواقع أولاً.
- توافقية حجم النقود المودعة وغطائها التأميني السيادي من الذهب والعملات الصعبة ثانياً.
- قوة الاقتصاد الوطني العام وحركته التشغيلية ثالثاً.
لذا، فإنه في الدول ذات مركزية القرار أو الدول التي لا تعمل بنظام فدرالي، يصعب قانوناً واقتصاداً أن تتخطى نسبة فائدة الإيداع سقف الـ 17% تحت أي ظرف استثماري طبيعي ومستدام. ومن هذا المنطلق البيروقراطي، ظهرت في العقود الماضية بمصر ظاهرة "شركات توظيف الأموال" (مثل الريان والشريف وغيرها)؛ والتي أغرت المودعين بنسب فوائد خيالية وصلت إلى 60% سنوياً. أحدثت هذه الشركات رواجاً سريعاً تلاه انهيار كارثي أثر مباشرة على الاقتصاد الجزئي (Microeconomics) للمواطنين، قبل أن يتفحل ليضرب هيكل الاقتصاد الكلي (Macroeconomics) للدولة.
ولكن، وبقراءة نقدية لواقعنا، نجد أن المؤسسات المصرفية الرسمية لم تستفد بالشكل الكافي من هذه التجربة التاريخية؛ إذ لم تطور من آلياتها لتجعل من أوعيتها الادخارية أدوات ترغيبية وجاذبة حقيقية للاستثمار النشط، وظل المستهلك يتعامل مع البنوك بدافع "الأمان المفرط" ليس إلا، وبقيت آليات الجذب الاستثماري في إطارها التقليدي دون تجديد يذكر.
مغزى القيود النقدية: دفع الكاش إلى شرايين السوق
تأتي القرارات الأخيرة بفرض حدود قصوى للسحب والإيداع اليومي كخطوة تهدف في عمقها الاقتصادي إلى إجبار السيولة الراكدة على الخروج إلى السوق المفتوح، وتخفيف العبء الائتماني والتمويلي عن كاهل الجهاز المصرفي في أوقات التضخم المالي المرتفع وحالة الركود الجزئي الناتجة عن انحباس الكاش.
إن السوق المصري سوق ضخم، شره، ويمتلك قدرة استهلاكية مدهشة على امتصاص المنتجات ومحاكاة السلع؛ إذ يقبل المستهلك المصري بسهولة تناسخ المنتجات وتعدد مصادرها (المحلي والمستورد كلياً أو جزئياً) وتداولها بكثافة.
سيكولوجية المستهلك المصري: محركات إنسانية لا تنافسية
لنتأمل معاً ما حدث في عام 2000 تزامناً مع انتفاضة فلسطين الثانية؛ إذ انطلقت دعوات شعبية وجادة لمقاطعة منتجات الشركات التابعة للدول الداعمة للكيان الصهيوني. وقد نجحت المقاطعة نجاحاً ساحقاً وتأثرت مبيعات تلك الشركات العالمية بشكل مباشر وقاسٍ داخل مصر. ولكن، وبمجرد أن هدأت الأوضاع السياسية، عاد المستهلك تدريجياً لنمطه الاستهلاكي القديم.
هذا يثبت أن المؤثر الفعلي على حركة امتصاص السلع والمنافسة في السوق المصري هو مؤثر إنساني، قومي، عاطفي، وسياسي طارئ، وليس ناتجاً عن الآليات التنافسية الكلاسيكية كجودة السعر أو رداءة المنتج. هذه السيكولوجية المرنة تجعل السوق دائم الامتصاص ومستمر الحركة حتى وإن جفت السيولة النقدية تحت وطأة التضخم والقرارات الاقتصادية القاسية.
النقود صُكت لتَدور: فلسفة التعافي الاقتصادي
إن النقود في علم الاقتصاد لم تُصك لتُخزن في الخزائن أو تُدفن في الودائع البنكية، بل صُكت لتدور وتتبادل وتخلق قيمة مضافة. إن محاولات البنك المركزي لتقليل الفائدة أو تقييد السحب تهدف بالدرجة الأولى إلى دفع أصحاب المبالغ السائلة—مهما صغرت—إلى تحويلها لفرص عمل ومشروعات حيوية، أو إنفاقها في مناحي الحياة اليومية؛ فعندما تخرج الأموال للدوران في السوق، يتعافى الاقتصاد الجزئي، وينعكس ذلك فوراً بالصحة والنمو على الاقتصاد الكلي للدولة.
نعم، لقد أثر التضخم الاقتصادي سلباً على القوة الشرائية للعملة وحجم الكاش المتوفر في يد المستهلك، مما خلق حالة من الخوف من الغد وتجنب المغامرة. ولكن، من الطبيعي أن يتكيف الإنسان مع الواقع بمراجعة نمط إنفاقه والبحث عن مصادر دخل جديدة واستثمارات بديلة.
البيع "أونلاين": العشوائية مقابل التخطيط
لقد شهدت فترة وباء كورونا وما تلاها هجرة جماعية للشباب وربات البيوت نحو العمل في البيع والتسويق عبر الإنترنت (أونلاين) لزيادة الدخل. ورغم أنها فكرة جيدة من حيث المبدأ، إلا أنها تحولت في كثير من الأحيان إلى "فوضى وعشوائية تشغيلية" نتيجة تسرع الكثيرين والبدء دون استثمار بضعة أيام في التعلم وفهم آليات التجارة الإلكترونية الفعالة. ومع ذلك، يظل هذا النشاط مقبولاً لمن لا يمتلك أي رأس مال بالمرة، أما من يمتلك مبلغاً مالياً—ولو كان صغيراً—فعليه البحث عن مشروع تجاري أو خدمي حقيقي يتوافق مع مهاراته ويديره بأسلوب منهجي جاد.
عبقرية الاستثمار متناهي الصغر: قصة الـ 50 ألف جنيه
قد يرى البعض أن مبلغ 50,000 جنيه مصري هو مبلغ صغير جداً في ظل التضخم الحالي، ولا يصلح لتأسيس تجارة أو مشروع. ولكن الواقع يثبت عكس ذلك تماماً لمن يمتلك الرؤية والإرادة.
يحضرني هنا تجربة مباشرة لشاب حديث التخرج منذ عامين؛ عانى من غياب الوظائف الحكومية والرواتب الضعيفة للوظائف الخاصة البعيدة جغرافياً عن منزله. قرر والده سحب مبلغ 50,000 جنيه من حسابه البنكي الراكد وأعطاه لابنه ليبدأ مشروعه الخاص.
افتتح الشاب محلاً متواضعاً لبيع الإكسسوارات النسائية والمنزلية الخفيفة بأعماق إحدى مدن الدلتا وعلى بعد 200 متر فقط من منزل أبيه. ورغم أن المستهلك حالياً يوجه قوته الشرائية للسلع الغذائية الأساسية ويؤجل الكماليات، إلا أن هذا الشاب كان ذكياً في انتقاء بضائع بسيطة تتراوح أسعارها بين 12 إلى 35 جنيهاً، وهي مبالغ صغيرة تسترعي انتباه ربه المنزل وتشتريها دون تفكير لبيتها أو لنفسها.
يعمل هذا الشاب منذ عام كامل، ويحقق صافي أرباح شهرية متوسطها 2,500 جنيه. الأهم من العائد المادي، هو أن هذا الشاب يكتسب يومياً خبرات تفاوضية وتسويقية هائلة، ويفهم السلوك الشرائي للناس على الطبيعة، ليكون أكثر جرأة بعد سنوات لتطوير تجارته ليصبح صاحب عمل تجاري ناجح وليس مجرد موظف ينتظر راتبه من غيره.
أثر الدوران النقدي
انظر بعين الاقتصاد الكلي لهذه الـ 50 ألف جنيه: لقد خرجت من سكون البنك لتتحرك وتدور في الدورة الدموية للاقتصاد؛ استفاد منها مصنعو البضائع، ومستوردوها، وسائق النقل الذي شحنها، ومالك المحل الذي تقاضى إيجاره، ثم الشاب المستثمر، وأخيراً المستهلك الذي حصل على سلعته محملة بنسبة الربح. هذه هي سرعة دوران النقود التي تصنع ثروات الأمم وتعيد الحياة للأسواق.
شركة المكتب الاستشاري لتطوير الأعمال
نعمل على أرض الواقع في مصر والوطن العربي منذ عام 2008م وحتى الآن.
قدمنا أكثر من (449 دراسة جدوى مختلفة)، (181 خطة عمل متكاملة)، (137 تقريراً استشارياً)، (229 دراسة لفكرة مشروع) في عدة دول تشمل: مصر، السعودية، سلطنة عمان، فلسطين، قطر، السودان، الجزائر، ليبيا، والكويت.
نموذج عمل تجاري.. Business Model Canvas
دراسة الجدوى................... Feasibility Study
خطة العمل............................ Business Plan
خطة التنفيذ............................... Action Plan
تحليل رباعي...................... SWOT Analysis
العنوان: 20 شارع الشهداء (ميدان مجلس المدينة)، شبين الكوم، المنوفية، مصر.
البريد الإلكتروني: greeneyesaqar@gmail.com
هاتف المكتب: 0482319433 (2+) مصر
هاتف محمول: 01226016692 (2+) مصر
واتساب: 01025351903 (2+) مصر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
إعداد دراسات جدوى، تطوير الأعمال، خطط مشاريع، استشارات اقتصادية، واتس اب 00201025351903