غياب ثقافة دراسة الجدوى: كيف تحمي رأس مالك من الفشل الاستثماري؟
ما الذي يفرّق حقاً بين مشروع يولد لينمو ويزدهر، ومشرع آخر يولد ليموت في مهده ويلتهم مدخرات صاحبه؟ الإجابة تكمن في كلمة واحدة: التخطيط. ولكن، لماذا لا تتوفر لدينا في الوطن العربي ثقافة دراسة الجدوى للمشاريع أو الأفكار المزمع تنفيذها على أرض الواقع قبل البدء في ضخ الأموال؟
تشير التقديرات إلى أن نسبة الوعي بأهمية التخطيط ودراسات الجدوى لا تتعدى 24% من إجمالي البالغين على مستوى الوطن العربي. وتلك النسبة الضئيلة والمقلقة لم تتشكل من فراغ؛ بل هي نتاج تراكمي لعوامل مجتمعية واقتصادية وإدارية معقدة، أبرزها انتشار البيروقراطية، والمحسوبيات، والرشاوى المقنعة وغير المقنعة التي تغلغلت في العديد من الكيانات الاستثمارية، مما جعل البعض يعتقد أن "العلاقات والواسطة" أهم من الدراسة والتحليل الفني والمالي.
ولعل من أشد مظاهر هذا الخلل والزيف الفكري تغلغلاً، هو ما يحدث في بعض الأوساط؛ حيث يدفع أشخاص لكتّاب مغمورين لكتابة وتأليف كتب علمية أو اقتصادية مقابل مبالغ مالية، ليقوم هؤلاء الأشخاص فقط بوضع أسمائهم على الغلاف وتقديمها للمؤسسات الرسمية للحصول على مكافآت مالية ضخمة وألقاب زائفة تضاف للمكتبة القومية! فهل هناك جهل أو تزييف للوعي أكثر من ذلك؟ وإذا كان هذا حال الثقافة الأكاديمية، فكيف يكون حال التخطيط الاستثماري؟
وهم "دراسة الجدوى الجاهزة" وحيل الفضاء الإلكتروني
في السنوات الأخيرة، ضجت وسائل التواصل الاجتماعي وشبكة الإنترنت بإعلانات لا حصر لها تروج لـ "دراسات جدوى جاهزة ومعلبة". الحقيقة المريرة أن الغالبية العظمى من هذه الملفات تم تجميع مادتها العلمية بشكل عشوائي من مواقع إلكترونية غير متخصصة، أو نسخها من أطروحات أكاديمية قديمة قُدمت للحصول على درجات علمية أو جوائز منذ سنوات طوال.
تعتمد هذه الملفات على أرقام وبيانات قديمة لم تعد تواكب تطورات السوق والأسعار، وإذا ما اعتمد عليها مستثمر ناشئ، فإنها تقوده مباشرة لفشل ذريع لمشروعه. والنتيجة؟ يتكون انطباع مشوه لدى المجتمع بأن دراسات الجدوى مجرد "وسيلة نصب محترفة" لسرقة الأموال.
لكن الخطأ هنا لا يقع فقط على من باع هذه المعلومات البالية، بل يقع بالدرجة الأولى على المشتري الذي استرخص وبخل على فكرته وتخيل أن بضعة جنيهات قليلة ستمنحه سراً استثمارياً حقيقياً! لو كلّف المشتري نفسه ببعض البحث والتقصي عبر شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت)، لوجد الكثير من البيانات التي تقربه نسبياً من فهم مشروعه، ليتجه بعدها بثقة نحو مستشار محترف يعد له دراسة جدوى حقيقية، واقعية، ومصممة خصيصاً لتناسب مجريات السوق المتغيرة.
معضلة الدراسات الأكاديمية الفخمة البعيدة عن الواقع
على الجانب الآخر من الأزمة، تطلب بعض المؤسسات الاستشارية الكبرى مبالغ مالية فلكية لإعداد دراسات الجدوى. والمفارقة هنا، أن هذه الدراسات غالباً ما تخرج بشكل أكاديمي معقد ومثالي، مليء بالجداول المالية المركبة والرسوم البيانية المنسقة لتلائم شروط جهات التمويل والبنوك، لكنها بعيدة كل البعد عن الواقع الفعلي لحركة السوق والشارع الاقتصادي!
إن البنية الأساسية لأي دراسة جدوى ناجحة وحقيقية يجب أن تقوم على دراسة فنيات المشروع بدقة، وجمع البيانات الميدانية وتحليلها بمرونة، والخروج بأرقام حقيقية تقارب الواقع بهامش خطأ لا يتجاوز 10%.
فإذا أردنا مثلاً إعداد دراسة جدوى لـ "مشروع تسمين مواشي"، فلا يصح أبداً الاعتماد على بيانات أو أسعار مر عليها عام كامل؛ فالأعلاف تتغير أسعارها، والبورصة اليومية للحوم تتقلب، والسلالات تتطور، واللقاحات الطبية تشهد مستجدات يومية. لا يوجد في عالم الاستثمار الحقيقي شيء اسمه "دراسة جدوى جاهزة"، بل هناك دراسة تُولد وتُصمم اليوم لتُنفذ غداً.
معادلة الـ 2% إلى 5%: صمام أمان رأس مالك
لنفترض أنك خصصت ميزانية قدرها 200 ألف جنيه مصري لإقامة وإنشاء مشروع معين. لكي تضمن أكبر نسبة نجاح ممكنة لفكرتك وتحمي مدخراتك من الضياع، يجب عليك تخصيص نسبة تتراوح بين 2% إلى 5% من إجمالي رأس المال (أي ما يعادل 4,000 إلى 10,000 جنيه) لإعداد دراسة جدوى حقيقية قبل البدء في أي خطوة تنفيذية.
هذا المبلغ لم ولن يذهب سدى؛ فالبيانات الدقيقة التي ستحصل عليها ستوجهك بشكل نموذجي وسليم نحو أحد قرارين:
- البدء الفوري في المشروع بناءً على أرقام آمنة ومدروسة.
- التراجع فوراً عن الفكرة لتكتشف مبكراً أن خسارة نسبة بسيطة من رأس المال في الدراسة أفضل بآلاف المرات من خسارة كامل رأس المال والفشل التام والسقوط الذي لا قيام بعده.
الفارق الجوهري بين تقدم المجتمعات وتخلفها اقتصادياً وسياسياً يكمن في دراسة كل خطوة مسبقاً. حتى في العلوم العسكرية والحروب، تُدرس كافة الفرضيات والاحتمالات وتوقع نتائجها قبل إطلاق رصاصة واحدة؛ ليكون متخذ القرار جاهزاً ومستعداً دائماً لتطويع النتائج لصالحه وتحقيق المكاسب في كل الظروف.
قصة نجاح واقعية: كيف أنقذت دراسة الجدوى عميلاً في أوقات الاضطراب؟
يحضرني هنا مثال ملهم لأحد عملائنا الأذكياء؛ أراد هذا العميل شراء قطعة أرض صحراوية لزراعتها واستثمار أمواله في أصل ثابت يحميه من تآكل قيمة نقدية في البنك بفعل التضخم (وهي استراتيجية اقتصادية شائعة وذكية حفظت ثروات العائلات عبر العصور).
بعد مناقشات مطولة، اتفقنا على عدم الشراء العشوائي، وبدأنا بإعداد دراسة جدوى متكاملة وواقعية لفكرة تحويل الأرض الصحراوية الخاوية إلى مزرعة منتجة. خرجت الدراسة في 200 صفحة من التحليل الفني والمالي والجغرافي الدقيق.
قضى العميل أسبوعاً كاملاً يقرأ الدراسة بتمعن وهدوء، وبناءً عليها اتخذ قراره بالشراء الفوري للأرض. ولكن، نتيجة لظروف الاضطرابات السياسية والاقتصادية المتقلبة التي شهدتها مصر في عام 2013، قرر العميل التريث وعدم ضخ أموال إضافية للزراعة، وترك الأرض خاوية مؤقتاً.
ومع مطلع عام 2015 (أي بعد حوالي 16 شهراً فقط من الشراء)، قرر العميل بيع الأرض بحالتها كما هي دون استصلاح، ليحقق أرباحاً صافية بلغت 44% من إجمالي المبلغ الذي دفعه. والمفاجأة المذهلة أن سيناريو التراجع عن الزراعة والبيع كأصل فضاء وتحقيق هذه النسبة من الأرباح كان قد تم افتراضه وحسابه بدقة كـ "خطة بديلة وخيار أخير" في دراسة الجدوى ذات الـ 200 صفحة!
هذه هي القيمة الحقيقية لدراسة الجدوى الميدانية الاحترافية؛ إنها لا تضمن لك النجاح في مسار واحد فقط، بل ترسم لك خريطة الخروج الآمن والربحي حتى في أحلك الظروف الاقتصادية والسياسية المتقلبة.
شركة المكتب الاستشاري لتطوير الأعمال
نعمل على أرض الواقع في مصر والوطن العربي منذ عام 2008م وحتى الآن.
نفخر بتقديم أكثر من (449 دراسة جدوى مختلفة)، (181 خطة عمل متكاملة)، (137 تقريراً استشارياً)، و(229 دراسة لفكرة مشروع) في عدة دول تشمل: مصر، السعودية، سلطنة عمان، فلسطين، قطر، السودان، الجزائر، ليبيا، والكويت.
نموذج عمل تجاري (Business Model Canvas)
دراسة الجدوى (Feasibility Study)
خطة العمل (Business Plan)
خطة التنفيذ (Action Plan)
التحليل الرباعي (SWOT Analysis)
العنوان: 20 شارع الشهداء (ميدان مجلس المدينة)، شبين الكوم، المنوفية، مصر.
البريد الإلكتروني: greeneyesaqar@gmail.com
هاتف المكتب: 0482319433 (2+) مصر
هاتف محمول: 01226016692 (2+) مصر
واتساب: 01025351903 (2+) مصر